الشيخ محمد الصادقي الطهراني

46

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

استعمار الأرض « . . . هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ » « 1 » . هنا عرض لنعمة سابقة سابغة ربانية بعد الدعوة التوحيدية أنه « هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها » إنشاءً في التكوين واستعماراً فيه ، وانشاءً في التشريع . فطالما أصبحت صيغة الاستعمار صيغة زائفة كما السياسة والإستثمار ، حيث الساسة المستعمرون المستثمرون كانوا ولا يزالون يظلمون الناس فيما هم عاملون . نرى هنا « استعمركم فيها » من الصفات الربانية ، وكما الاستثمار في الزخرف بمعناه : « ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً » . « 2 » ولكن أين استعمار من استعمار ، وإستثمار من إستثمار ، وسياسة ربانية من سياسة شيطانية ؟ ! . فالإستعمار الرباني هو طلب العمران الإنساني في هذه الرقعة الأرضية ، عمراناً للأرض نفسها لعمران الحياة الجسدانية فيها ، وعمراناً للروح الإنسانية الساكنة الماكنة فيها وأين عمران من عمران ؟ . لقد إستعمرنا ربنا في الأرض التي أنشأنا منها إستقراراً برياحة الحياة الأرضية ، واسترواحاً لأرواحنا ، حيث العقل السليم هو في البدن السليم ، فالأصل في الاستعمار هو استعمار الأرواح ، في الأبدان المستعمرة العامرة إذ هي أمكنة الأرواح ومجالاتها العملية الظاهرة في مجالات للحياة . إن المستعمرين الطغاة الظالمين إنما يهدفون من استعمار الأرض عمران حياتهم الأرضية بتهديم العمال عن بكرتهم وإستحمارهم ليحنوا ظهورهم لهم فيركبوهم ، ولا يُطعمونهم شِبعَهم إلا سدَّ رمقهم ليواصلوا في هذه العمالة الظالمة ، فهو - إذاً - استعمار لأنفسهم دون من يستعملونهم للعِمار . واللَّه سبحانه خلق لنا الأرض قبل أن يخلقنا منها ، ثم إستعمرنا فيها بما خلق من معدات العمار فينا وفي أرضنا ، وجعل استعمار الأرض من العبادات ف « هو الذي خلق لكم ما في

--> ( 1 ) . 11 : 61 ( 2 ) . 32